• ×
الأربعاء 16 أكتوبر 2019 | 10-15-2019

رجل الفلاحين .. الفيلسوف و المعلم

رجل الفلاحين .. الفيلسوف و المعلم
صحيفة وتين الإلكترونية - احمد الجفن 
.



" المعلم والفيلسوف هكذا يحب أن يسميه تلاميذه و من تأثروا به من الأجيال اللاحقة هذا الرجل ذو الشعر الطويل ذو اللحية الطويلة عاش في طبقة النبلاء و كان غنياً عاش الوجاهه بل أن والدته يعود نسبها لأول حاكم حكم في بلاده ،هذا الرجل كان يعمل تحت إدارته الكثير من الفلاحين ، وكان قد ورث اقطاعية كبيرة يعمل فيها ما يفوق عن ٣٣٠ عائلة فلاحة ، ايضاً كان فارس يحب الخيل كثيراً ويجيد ركوبها حتى في سن الثمانين، وكان لديه خيل تفرح وتتراقص عندما تراه مقبل عليها ،وقصة الحب بينهما جعلت منه أن يطلب عند وفاته أن يدفن الخيل بالقرب من قبره .


image


و في منتصف حياته تقريباً ترك كل هذا و نزع عباءة الغنى وترك كل وسائل الترف ولبس لباس الفلاحين وعاش حياتهم واصبحت قضايا الفلاحين أبرز قضاياه الاجتماعية ، حتى انه وزع الأراضي التي يملكها على الفلاحين و بدأ بالعمل معهم


وكان ذلك في عام ١٨٨١ عندما قال :

"حدث معي انقلاب كان يتهيأ في داخلي منذ زمن بعيد، ورموزه كانت تعيش في نفسي. وما حدث معي ان حياة وسطنا – وسط الاغنياء والمتعلمين – ليست فقط نفرتني بل وفقدت كل معنى "

"وافعال الشعب العامل، خالق الحياة، هي عندي القضية الحقيقية الوحيدة.. لقد تخليت عن حياة وسطنا، بعد ان عرفت انها ليست حياة.."




قد تكون هذه الآراء لدى الحكيم سببها المشاركة في عملية إحصاء سكاني شارك فيها في العاصمة هناك في بلده وتعجب من وضع الفقراء و حالهم مقارنة بعيش الطبقات البرجوازية.

بالطبع هو صاحب المقولة الشهيرة: الكل يفكر في تغيير العالم لكن لا احد يفكر في تغيير نفسه

لعل البعض أدرك عن من يدور الحديث ولعلي أنا أخترت هذه المقولة لكي تكون شاهداً على أن هذا الرجل طالما بحث عن التغير و طالما غير من نفسه فالمقدمة كانت خلاصة سريعة تحكي الجانب الجميل من حياة هذا الرجل.

في طبيعة الحال هذا الرجل الذي بحث عن التغير، كان في حياته الكثير من المحطات المظلمة والمآسي التي ندم عليها و التي لم يخجل من ذكرها في مذكراته و الجميل أنه ذكرها في محل الاشمئزاز، لا الفخر .

يقول في احد كتبه :
" قتلت الكثيرين في الحرب, بارزت الكثيرين لأفقدهم حياتهم, خسرت أموالاً كثيرة بالمقامرة, وأنفقت الأموال الكثيرة التي وصلت إلي بأعراق الفلاحين, قاسياً عاتياً في معاملة خدمي, لم أترك سبيلاً من سبل الفسق إلا وسلكته, السرقة, والزنا, والسكر, والتمرد, والقتل, كل هذا جزء من حياتي في تلك الأيام, فليس في قاموس الجرائم جريمة واحدة لم أرتكبها, ولكنني كنت مع كل ذلك مكرماً محترماً من أبناء عشيرتي."



كل هذه الاعترافات وهو في قمة المجد الأدبي، كل هذا وخلفه الكثير من المتأثرين بنهجه و منطقه . طبعاً واجه الانتقادات بسبب تلك الاعترافات وخسر على اثرها اجساد و كسب ارواحاً .



قال عنه احمد شوقي في رثاء :



تولُستويُ تُجري آيَةُ العِلمِ دَمعَها **** عَلَيكَ وَيَبكي بائِسٌ وَفَقيرُ
وَشَعبٌ ضَعيفُ الرُكنِ زالَ نَصيرُهُ **** وَما كُلُّ يَومٍ لِلضَعيفِ نَصيرُ
وَيَندُبُ فَلّاحونَ أَنتَ مَنارُهُم **** وَأَنتَ سِراجٌ غَيَّبوهُ مُنيرُ
يُعانونَ في الأَكواخِ ظُلماً وَظُلمَةً **** وَلا يَملُكونَ البَثَّ وهوَ يَسيرُ




نعم كان هذا الأديب و الفيلسوف الروسي ليف تولستوي الذي ظهر " كونت " في مجتمعه و أنتهى به الأمر إلى فلاح ينافح عن قضايا الفقراء و المستضعفين
يؤمن بأن الناس جميعاً سواسية لا فرق بينهم، نازع من أجل الأقليات نبذ العنف بكافة أشكاله ، ودعى إلى السلم والتسامح من خلال كتاب " مملكة الرب بداخلك " و التي انتقد بها بعض التصرفات المسيحية التي تدعو للعنف في نشر المسيحية حتى أن الكنيسة وقفت ضده في كثيرا من المواقف بسبب اراءه

تولستوي هو فيلسوف روسي ولد عام ١٨٢٨ م في مدينة تولا الروسية القريبة من موسكو وتوفي سنة ١٩١٠ م
عندما خرج من منزله زاهداً بنفسه عن العيش في عزبته الزراعية التي كان يعيش فيها مع عائلته تاركاً غطاء الثراء و الخلافات الأسرية خلف ظهره يصارع مسافات السفر وسط رياح البرد الشديد بلا خيل او عربات بل على الأقدام حتى مات في الطريق قرب احد محطات القطار في روسيا بسبب التهاب رئوي اصابه بسبب شدة البرد .

وكأكثر الكُتاب و الأدباء الروس عاش تولستوي فترات من عمره بين القمار و السكر و غيرها من أفعال الفسق وسريعاً ما تجد هؤلاء الكتاب يحولون تلك الحياة على شكل روايات خيالية او شبة واقعية في هدف الإصلاح الاجتماعي ، الروائي الروسي دوستويفسكي في رواية " المقامر " و " الجريمة و العقاب " وغيره من الروايات التي لا تخلوا من جو الجريمة و القمار.
وكما جاء في رواية " انا كارنينا " التي تحكي حياة الأوساط المنفتحة وكيف تُفقد القيم وهيا للكاتب نفسه ليو تولستوي

ولعلي اشارككم سراً اني لم أبحث في حياة تولستوي من أجل ماذا أقترف من ذنب و لكني ذهبت باحثاً عن ما قاله عن نبينا محمد صل الله عليه وسلم وعن مواقفه تجاه الإسلام و موقفه تجاه المسلمين في القوقاز و في المناطق الواقعة تحت حكم الروس .

نعم وجدت كل مواقفه مشرفة تجاه المسلمين و كان مناصراً لهم ومدافعاً عن حقوقهم ، بل أنه صدر كتاب له بعنوان " حكم النبي محمد "

تلقى تولستوي الكثير من رسائل الشكر و العرفان على مواقفه النبيلة من علماء دين و ادباء عرب ومسلمين ، منهم رجل الدين و المفكر العربي محمد عبده الذي كان بينه وبين تولستوي رسائل أعجاب .


وقفة سريعة :

وفي بحثي عن مواقف هذا الرجل من خلال الفيديوهات او الكتب صدمني حديث لرجل يُعتبر مفكر او منظر ديني كان على منبر أمام جماعة يحدثهم وهو الدكتور " عدنان ابراهيم " عندما كان يمسح الصورة الجميلة التي رسمها بعض الأدباء و الفقراء ودعاة المساواة و العدل ،عن تولستوي، ويرسم على هذا مكانها صورة ما أخرى، أشتقها من كتابات زوجة تولستوي في مذكراتها اليومية و أخذ النقاط المظلمة في علاقة زوج و زوجته ، بل أنه أخذ اقسى ما قالته صوفيا في حق زوجها و تجاهل الكلام الجميل الذي قالته عن وضعها عندما سمعت عن خبر وفاته ومحاولتها الانتحار .


نعم صدمت من أن تولستوي بحث في الكتب بين أحاديث صحيحة وغير صحيحة و اقوال مأثورة نسبت للنبي صلى الله عليه وسلم ما صح منها و مالم يصح وهذا يعكس انه اجتهد في أن يثبت لأبناء دينه المسيحي أن الإسلام دين تسامح و لا يحث على العنف ، و بحسب نظره او كما يعتقد أن الأسلام لا يختلف عن دينهم " الصحيح " بل أنه تجاهل إي ذكر سيئ أو حديث قد يفسر بالخطأ تجاه هذا الدين في المقابل هناك من يجتهد بالبحث عن ماذا و بماذا أذنب تولستوي وماهي علاقة تولستوي بالنساء و القمار قبل أن يعود إلى صوابه


وكلامي أعلاه هو تسليط ضوء بسيط على كيفية تلقينا و استماعنا لمن يرسم او يصور لنا التاريخ سواء من منابر التلفاز و الإذاعة او منابر المساجد وحلقات العلم أو إي منبر مقدس على أرض هذه المعمورة




" علينا أن نُحكم عقلنا قبل أن نحكم على غيرنا "


مواضيع سابقة




الجزء الثاني قريباً ...

بواسطة :
 2  0  5.2K

إعلان

اخترنا لك

أجهزة الراديو الجديدة المتطورة ومتعددة الأوضاع من هيتيرا تحسّن كفاءة أعمال فرقة النسر الأحمر للدراجات النارية في مفرزة شرطة المرور بمدينة شاويانغ

أجهزة الراديو الجديدة المتطورة ومتعددة الأوضاع من هيتيرا تحسّن كفاءة أعمال فرقة النسر الأحمر للدراجات النارية في مفرزة شرطة المرور بمدينة شاويانغ

يسهم التحديث المستمر لتقنيات الاتصال في إثراء الميزات التي تتمتع بها الاتصالات. وإن تنوع المهام وتعقيداتها المتزايدة يجعل من الخدمات الصوتية الفردية أقل قدرة على تلبية متطلبات المستخدمين في القطاع. ون..

08-09-2019 | 0 | 27.7K
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة " وتين الإلكترونية " و جميع التعليقات و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي الصحيفة بل تعبر عن رأي كاتبها . ( صحيفة مرخصة )